فن وادب

الفيتوري عاشق أفريقيا

الفيتوري

حين تتحول الكلمات إلى وطنٍ نابض بالحياة والعشق
في عالمٍ مزدحم بالكلمات حيث تتداخل المفاهيم وتفقد أحيانًا معناها الحقيقي، يبقى الشعر مساحة نادرة للصدق، ومأوى للروح حين تتعب من ضجيج الواقع. أحيانا يتطلب الأمر ابتسامتها حتي تمر الخيول..

محمد مفتاح رجب الفيتوري

إنه واحد من أكثر الأصوات عمقًا وصدقًا في الشعر العربي الحديث. لم يكن الفيتوري مجرد شاعر يكتب قصائد جميلة، بل كان حالة إنسانية متكاملة، تنبض بالانتماء، وتفيض بالعشق والحرية، وقد تشكلت أعماله وتحولت من وجعٍ صادقٍ إلى جمالٍ خالد.
الفيتوري صوت إفريقيا وروح الهوية
ما يميز أعمال الفيتوري أنه لم يتعامل مع إفريقيا كخلفية جغرافية، بل كروح حيّة تسكن كلماته. كانت إفريقيا في شعره أمًّا، وذاكرة، وهويةً لا يمكن نسيانها.

فقد جعل من الشعر وسيلة لإعادة تعريف الإنسان، ليس فقط كفرد، بل ككائن مرتبط بجذوره، بتاريخه، وبألمه وتجاربه. ومن هنا، أصبح شعره مرآةً تعكس صراع الهوية، وحنين الانتماء، وسؤال الوجود.
كانت الحرية في شعر الفيتوري أكثر من مجرد فكرة ..كان درويشا حائرا عاشقا في ارجاء ملكاته الشعرية..
في عالم الفيتوري، الحرية ليست شعارًا يُرفع، بل تجربة تُعاش. هي ذلك الإحساس الداخلي الذي يجعل الإنسان قادرًا على الوقوف، حتى حين ينكسر.

وقد كان يؤمن أن. الإنسان لا يُقاس بما يملك، بل بما يحمله في قلبه من أمل.

ومن خلال قصائده، تحوّلت الكلمة إلى فعل ومقاومة، وأصبحت اللغة أداةً لمواجهة الظلم، لا مجرد وسيلة للتعبير.
فأصبح الشعر مرآةً للإنسان
الشعر عند الفيتوري

لم يكن ترفًا أدبيًا، بل ضرورة إنسانية. كان يرى أن الكلمة الصادقة قادرة على أن تغيّر، وأن تترك أثرًا يتجاوز الزمن.
كان ينظر للشعر كجسر بين الإنسان وذاته .. ويراه كمساحة للصدق بلا خوف وصوت لمن لا صوت لهم
لهذا، لم تكن قصائده مجرد نصوص، بل كانت حياة كاملة مكتوبة بإحساس عميق.
بين الألم والأمل

فلسفة الفيتوري
من يقرأ للفيتوري، يدرك أن الألم ليس النهاية، بل بداية جديدة.. وأن العتمة، مهما طالت، فهي تحمل في داخلها بذور النور.


كل دمعة قد تكون بداية طريق
الليل ليس عتمة فقط ، بل معلمًا
الأمل يولد دائمًا من قلب المعاناة
وهذه النظرة هي ما جعلت شعره قريبًا منا مهما اختلفت ظروفنا..
وُلد محمد مفتاح رجب الفيتوري عام 1936 في السودان، ونشأ في بيئة ثقافية غنية، حيث درس في مصر وتلقى تعليمه في الأزهر الشريف.
عمل في الصحافة ثم في المجال الدبلوماسي، وتنقّل بين عدة دول، مما أثّر بشكل كبير على رؤيته الشعرية والإنسانية. عُرف بدفاعه عن الحرية والهوية، وبلقب “شاعر إفريقيا”، نظرًا لارتباطه العميق بقضايا القارة.
من أبرز أعماله:
أغاني إفريقيا
عاشق من إفريقيا
وقد توفي عام 2015، تاركًا إرثًا أدبيًا يُعد من أهم ما كُتب في الشعر العربي الحديث.
ولكنه لا زال معنا حتى اليوم
لأن كلماته لم تكن مرتبطًة بزمنٍ محدد، بل بقضية إنسانية مستمرة:
البحث عن الحرية، وعن الهوية، وعن معنى أن تكون إنسانًا

إنه ىؤمن بأن الكلمة الصادقة لا تموت، بل تعيش في كل من يشعر بها. وأن الشعر قد لا يغيّر العالم دفعة واحدة، لكنه يغيّر الإنسان… والإنسان هو بداية كل شيء.

ولهذا، سيبقى الفيتوري أكثر من مجرد شاعر؛ سيبقى صوتًا حيًّا يسكن الكلمات، ويوقظ فينا إحساسًا عميقًا بأن للحرية معنى، وللأمل طريقًا، وللكلمة روحا لاتموت .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى