سياسة

جعفر نميري

جعفر محمد نميري: حاكمٌ بين الحزم والبساطة في ذاكرة السودان

يحتل جعفر محمد نميري مكانة خاصة في تاريخ السودان الحديث، ليس فقط لطول فترة حكمه، بل لما حملته تلك السنوات من تحولات عميقة تركت أثرًا واضحًا في الدولة والمجتمع. فقد امتدت رئاسته من عام 1969 إلى 1985، وهي مرحلة اتسمت بالتقلبات، لكنها أيضًا شهدت لحظات استقرار لا تزال حاضرة في ذاكرة كثير من السودانيين.

وصل نميري إلى السلطة عبر ثورة مايو 1969، في وقت كانت البلاد تعاني فيه من اضطرابات سياسية وصراعات حزبية أضعفت مؤسسات الدولة. جاء مشروعه قائمًا على إعادة فرض هيبة الدولة وبناء نظام مركزي قوي قادر على ضبط الأوضاع وإعادة الاستقرار.

في سنواته الأولى، اتجه نحو الاشتراكية، وسعى لإعادة تشكيل الاقتصاد ومؤسسات الدولة بما يتوافق مع هذا التوجه. ومع مرور الوقت، تغيّرت سياساته بشكل ملحوظ، فانتقل إلى علاقات أقوى مع الغرب، ونسج شراكات إقليمية مؤثرة، خاصة مع مصر بقيادة أنور السادات. هذا التحول يعكس طبيعة حكمه التي اتسمت بالمرونة أحيانًا، وبالتقلب أحيانًا أخرى.

يُحسب له أنه نجح في تحقيق واحدة من أهم محطات الاستقرار في تاريخ السودان، عندما وقّع اتفاقية أديس أبابا 1972، التي أوقفت الحرب الأهلية في الجنوب لما يقارب عقدًا من الزمن. خلال تلك الفترة، شهدت البلاد هدوءًا نسبيًا، وبدأت ملامح الاستقرار تظهر بشكل أوضح، وهو ما جعل كثيرين ينظرون إلى تلك المرحلة بوصفها من أفضل الفترات من ناحية الأمن.

إلى جانب ذلك، عمل على تعزيز حضور الدولة وتوسيع بعض مشاريع البنية التحتية، خصوصًا في مجالات الزراعة والخدمات. ورغم أن هذه الجهود لم تكن شاملة أو خالية من التحديات، فإنها أسهمت في ترسيخ مؤسسات الدولة مقارنة بما سبقها من فترات مضطربة.

ومن الجوانب اللافتة في شخصية نميري، قربه من الناس وبساطته في الخطاب. لم يكن يتحدث بلغة رسمية معقدة، بل كان يميل إلى الأسلوب المباشر الذي يفهمه عامة الشعب. هذه البساطة، إلى جانب حضوره العفوي، جعلت كثيرين يشعرون بأنه قريب منهم، لا مجرد حاكم بعيد عن واقعهم. كما عُرف بحس فكاهي يظهر في مواقف مختلفة، حيث كان يستخدم الطرافة أحيانًا لتخفيف حدة الخطاب أو إيصال فكرة بطريقة غير تقليدية، وهو ما أضفى على شخصيته بعدًا إنسانيًا مميزًا.

ورغم هذه الجوانب، لم تخلُ فترة حكمه من الانتقادات. فقد اتسم نظامه بالطابع العسكري، مما أدى إلى تقييد الحريات السياسية ووقوع اعتقالات في صفوف المعارضين. كما شهدت سنواته الأخيرة أزمات اقتصادية متصاعدة أثرت بشكل مباشر على حياة المواطنين. وزاد الجدل بعد إعلانه قوانين سبتمبر 1983، التي أحدثت انقسامًا واسعًا داخل المجتمع.

انتهى حكمه في عام 1985 بانقلاب عسكري أثناء وجوده خارج البلاد، بعد تصاعد الغضب الشعبي نتيجة الأوضاع الاقتصادية والسياسية. كانت تلك النهاية انعكاسًا لتراكمات سنوات من التحديات التي لم تعد السلطة قادرة على احتوائها.

تبقى تجربة جعفر نميري واحدة من أكثر التجارب تعقيدًا في تاريخ السودان. فقد جمع بين القدرة على فرض الاستقرار في فترات معينة، وبين ممارسات أثارت الجدل والرفض في فترات أخرى. كان قائدًا قويًا، لكنه أيضًا شخصية بسيطة في حضورها، قريبة من الناس في أسلوبها، ومثيرة للاختلاف في تقييمها.

لهذا، لا يزال اسمه حاضرًا في النقاشات حتى اليوم، ليس بوصفه نموذجًا مثاليًا، ولا كرمز سلبي مطلق، بل كتجربة إنسانية وسياسية متكاملة، تحمل في طياتها ما يدعو للتأمل أكثر من إصدار الأحكام.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى